قد يقول قائل: إذا كانت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم واسعة، فلماذا كان يرجم الزاني المحصن ويقطع يد السارق ويقتل القاتل؟! أليس من الرحمة أن يعفو عنهم؟!
الحدود في الإسلام.. رحمة بالمجتمع
نقول: إن هناك نقطة مهمة تغيب عن أذهان أصحاب الشبهات, وهي أنهم ينظرون بعين الرحمة إلى المُذنِبِ, ولا ينظرون بعين الرحمة على المجتمع الذي عانى من ذنبه, فإذا نظرت بعين المحلِّل المتجرِّد من الهوى وجدت أن كل الحدود التي فرضها رب العزة قد فُرِضَت على جرائم تؤثر سلبًا على المجتمع, وقد يعانِي منها صاحبُ الشبهة شخصيًّا, ولو عانى منها لكان رأيه مختلفًا, فلا شك أنه لو سرق أحدٌ رأس ماله, وثمرة جهده لتمنى عقابه بأقسى عقاب, ولو اعتدى أحدهم على ابنته أو زوجته أو أُمِّه لسعى إلى قتله بنفسه قبل المحاكم, وهكذا..
فالحدود في الإسلام شُرِعَتْ رحمةً بالمجتمع, وترهيبًا لعموم الناس أن ينخرطوا في طريق الجريمة, وهذه رحمة بهم أيضًا من وجه آخر, ثم هي كَفَّارة عن الذنب الذي فعله العبد, ومن ثم يُهَوِّن عليه من حساب الآخرة وهو أَشَقُّ وأَشَدُّ..
روى عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ليلة العقبة: "تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا, وَلا تَسْرِقُوا وَلا تَزْنُوا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ, فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ؛ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ, وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ, وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ, وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ, قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ"[1].
فتطبيق الحدود -والتي تبدو قاسية- رحمة للمجتمع, ورحمة لأنها تمنع الناس من ارتكاب الجرائم, ورحمة كذلك لأنها تكفِّر الذنب عن فاعله..
ثم فوق كل ما سبق, وقبل كل ما سبق, هي أوامر من رب العالمين , واجبة التطبيق, والله أعلم بما يُصلِحُ عبادَه وكونه, ورسول الله صلى الله عليه وسلم مُطبِّق لقوانين الشريعة دون إفراط ولا تفريط, ولم يكن يطبِّق هذه الحدود على طائفة من الناس دون طائفة, ولا على قبيلة دون أخرى, إنما كان يُنفذ قانونًا عامًّا يهدف لراحة وأمن الجميع, ولقد غضب غضبًا شديدًا عندما حاول بعض الصحابة[2] أن يتوسَّط لامرأة ذات نسب من قبيلة بني مخزوم كي لا تُقطَعَ يَدُها في جريمة سرقة, وأصرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على تطبيق الحد, وخطب خطبة بليغة وضَّح فيها منهجه في معالجة الجريمة, وكان مما قاله في هذه الخطبة: "إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا"[3].
إن القانون عام, وفي باطنه رحمة واضحة جليلة لمن كان له قلب, أو ألقى السمع وهو شهيد..
ثم إن الجانب الأروع والأجمل في المسألة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن متشوفًا إلى إقامة الحدود, ولا متمنيًا لرجم أو قتل أو قطع.. إنه كان يحاول قدر جهده أن يجد مخرجًا للمُذنِبِ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ"[4].
ألا ما أروع هذا الكلام, وما أرحمه!!
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتصيَّد الأخطاء للمذنبين, بل إنه يتغاضى عن الأمر تمامًا إن لم تكن البينة واضحة, والدليل كافيًا..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تَعَافُّوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ, فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ"[5].
يقول السيوطي[6]تعليقًا على هذا الحديث: "أي تجاوزوا عنها ولا ترفعوها إليَّ فإني متى علمتها أقمتها"[7].
موقف صفوان بن أمية
وهذا المعنى وضح في موقف صفوان بن أمية رضي الله عنه عندما رفع أمر رجل سرقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع يد السارق وذلك تطبيقًا للحد, فَقَالَ صَفْوَانُ: يَا رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمْ أُرِدْ هَذَا رِدَائِي عَلَيْهِ صَدَقَةٌ, فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فَهَلاَّ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ"[8].
إنها دعوة رحيمة صريحة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صفوان بن أمية رضي الله عنه, وإلى عموم المسلمين أن يجتهدوا في تعافي الحدود فيما بينهم, وألا يرفعوا الجرائم إليه إلا في آخر المطاف..
وقد حدث في قصة ماعز[9] رضي الله عنه ما يؤيد ذلك؛ لأن رجلاً من الصحابة اسمه هزَّال[10] هو الذي دفع ماعز إلى الاعتراف بجريمة الزنا, فلما أصرَّ ماعز على الاعتراف بالجريمة رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ماعزًا كان محصنًا, لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع الأمر يمر دون أن ينصح لهزّال -والأمة من بعده- قائلاً: "وَاللَّهِ يَا هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ"[11].
قصة ماعز
وما دمنا قد ذكرنا أمر ماعز فما أجدرنا أن نعرَّج على قصته لنرى رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رُفع له أمر رجل زنى وهو متزوج..
يروي بريدة بن الحصيب رضي الله عنه فيقول: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رسول الله طَهِّرْنِي, فَقَالَ: "وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ". قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ, ثُمَّ جَاءَ؛ فَقَالَ: يَا رسول الله طَهِّرْنِي, فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَيْحَكَ ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ". قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمَّ جَاءَ؛ فَقَالَ: يَا رسول الله صلى الله عليه وسلم طَهِّرْنِي؛ فَقَالَ النَّبِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: "فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟" فَقَالَ: مِنْ الزِّنَا؛ فَسَأَلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أَبِهِ جُنُونٌ؟ "فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ فَقَالَ: "أَشَرِبَ خَمْرًا؟" فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ. قَالَ: فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أَزَنَيْتَ؟" فَقَالَ: نَعَمْ"[12].
إننا نرى هنا موقفًا من أعظم مواقف الرحمة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه موقف رجم لإنسان, وهو أمر شديد ولا شك..
إن ماعزًا جاء ليعترف بالزنا ليقام عليه الحد, جاء معترفًا دون أن يُكرهه أحد, لقد جاء تائبًا مقرًّا بذنبه يريد أن يتخلص منه في الدنيا قبل حساب الآخرة, والحدود كفارة كما ذكرنا قبل ذلك..
وقد جاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً له: طهرني, وقد شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوهلة الأولى أن الرجل قد ارتكب ذنبًا عظيمًا, فلا شك أن هذا كان باديًا على قسمات وجهه, وعلى نبرات صوته, لكنَّه مع ذلك لم يسأله عن ذنبه, ولو من باب الفضول, فإنه أراد أن يتكتم عليه لئلاَّ يقيم عليه حدًّا, وهذا من رحمته العظيمة , ولكن ماعزًا كان مُصِرًّا على الاعتراف, وصرَّح في المرة الرابعة بذنبه, ومع ذلك لم يتلقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منه الاعتراف كما يحدث في كثير من بلاد العالم ويسجله عليه, بل راجعه أكثر من مرة ليتراجع, وذلك رحمة به, فسأل عن عقله: هل به جنون؟ فقالوا: لا, فسأل عن شربه للخمر فلعله قد أذهب عقله فاعترف بما لم يفعل, وحد الخمر أهون من حد الزنا للمحصن, ولكن ماعز لم يكن شاربًا للخمر..
إنها محاولات حقيقية من رسول الله صلى الله عليه وسلم لدرء الحد, والتجاوز عن ماعز, بل إنه -في روايات أخرى- التفت إلى قوم ماعز وسألهم: "أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا"؛ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى[13].تتمة