العربية هي لغة الاسلام وبحروفها نزل القران والصلاة لاتجوز الا بها وهي من اولى مقومات امتنا كانت ولاتزال ركن اساس من اركان مجتمعنا ورابطة متينة تربط بعضنا بالبعض الاخر واستطاعت العربية استيعاب اغلب اللغات والحضارات الاخرى حيث نجح العرب في ترجمة العلوم اليونانية والهندية الى العربية واحتضان علوم الطب والفلك والكيمياء والحيوان والنبات والحكمة والتشريح والرياضيات ولم يستعص على العربية أي مصطلح
واستطاع الباحثون ان يحصروا مواد العربية بـ (اربعمائة الف مادة) وقد احتوى معجم لسان العرب وحده على( ثمانون الف مادة) بل قرر الخليل بن احمد في كتابه العين ان عدد ابنية الكلام عند العرب المستعمل والمهمل بلغ (اثناعشرمليون وثلاثمائة الف) من الابنية وعدد الالفاظ العربية ( ستة ملايين وستمائة وتسعة وتسعون الف) لايستعمل منها الا (خمسة ملايين وستمائة وعشرون) والباقي مهمل
لكن هذه اللغة العظيمة تعرضت لاكثر من هجمة للنيل من قوتها واضعافها في ظل الغفلة الرهيبة والسبات العميق الذي يعاني منه العرب فكان هذا الخطر اما حملات خارجية منظمة تهدف للنيل من هذه اللغة او داخلية من خلال اعداد كبيرة من الكلمات العامية التي تكاد تطيح بالعربية وتسقطها من خلال رميها بالصعوبة والتعقيد والقصور
يقول حيدر نزار طالب ماجستير بكلية الاداب ان العربية الفصحى صعبة ومعقدة سواء كان من خلال نطقها او كتابتها او اعرابها مما يجعل تعلمها واتقانها امر اقرب الى المستحيل لاننا تعلمنا العامية وتعودنا عليها منذ الصغر واذاننا تفتحت عليها فالام تنطق بها وكذلك الاب والاخوات واولاد الحي والزقاق وفي السوق والمدرسة وكل مكان الحديث لا يكون الا بها فكبرنا وكبرت معنا عكس الفصحى التي كانت ولا تزال بعيدة كل البعد عن مستوى فهمنا واعتقد اني سوف اكون مثارا لسخرية اصدقائي اذا تحدثت بها
ويبين نبيل انور – مدرس لغة عربية- مدى الانتشار الواسع للكلمات الاجنبية والدخيلة داخل المجتمع العربي وخاصة العراقي فاصبح الكلام لايخلو من كلمة تركية او مصطلح فارسي او رنة للموبايل نجيب عليها بكلمة (الو) الاجنبية واصبح استخدام هذه الكلمات يشكل نوعا من التباهي لدى الكثيرين وخاصة جيل الشباب الذي تجد اغلب كلامه (يس, نو, اوك ,........الخ) معتقدا بذلك انه اصبح من المثقفين والمتحضرين ويضيف انور ابتعدنا كثيرا عن الفصحى ونكاد نرتمي في احضان العامية التي غزت اجمل مافي اللغة وهو الشعر فانتشر الشعر الشعبي الذي وان كان موثرا احيانا لكنه يزول بزوال الحدث الذي كتب لاجله كما ان القصص والمسرحيات اصبحت تكتب باللغة العامية ففقدت كثير منها قيمته الادبية والموسف انك تجد اليوم كثيرا من الجهلاء يقلب الحروف ويستخدمها في غير مكانها الصحيح فيقلب(القاف) الى (غين) او العكس ويقلب(الفاء) الى (ثاء) و(الدال) الى (تاء) كما انتشر بين الشباب بدعة سيئة جديدة وهي مايسمى(التحشيشة) والتي تقصدون فيها قلب الحروف والمعاني للكلمات واستخدامها للهزل والنكتة غير مدركين لمخاطرها ونتائجها
ويرجع سمير فاضل-ماجستير تاريخ- تدني العربية الفصحى لعدة اسباب اهمها حملة مصطفى كمال اتاتورك على العربية ومعاداته للتعاليم الاسلامية التي جاءت باللسان العربي حيث حاول ان يقنع الناس ان الثقافة والمدنية التركية هي اقدم الثقافات في العالم وماقام به من ابطال الاحوال الشخصية الاسلامية واستبداله بالقانون السويسري كما ان البلدان العربية تعرضت لاكثر من احتلال وفي اكثر من بلد مما ادى لانتشار مصطلحات انكليزية وفرنسية وايطالية وتركية وكم هائل من الكلمات الفارسية ويضيف شهد بداية القرن الماضي عدة محاولات للنيل من العربية سواء كان من خلال اصدار مجلات مثل مجلة المقتطف والتي دعت للعامية بدلا عن الفصحى او اصدار كتب كالكتاب الذي اصدره لويس ماسينيون واسماه( لهجة بغداد العامية ) ووصف فيه العربية بالعقم والتعقيد ودعا للسماح للطلبة للكتابة بالعامية الشائعة من اجل تجنيبه المشقة التي يعانيها من الفصحى
ويؤكد الدكتور عبدالواحد عبدالله استاذ اللغة العربية ان اللغة الفصحى تعرضت لعدة هجمات شرسة ابتدات بالحركات الاستشراقية التي هدفت لاضعاف اللغة وتوهينها مستفيدة من الغفلة وموجة الجهل التي سادت المنطقة العربية منذ اكثر من مائة عام فلم يجد هولاء سبيل افضل من محاربة العربية في معقلها واختراقها من خلال تشجيع العامية السوقية ورغم الاعتراف ان وجود لغتين فصحى وعامية ظاهرة طبيعية في كل لغات العالم لكن الخوف يظل يلازمنا من تنامي دور العامية على حساب الفصحى وتغير العامية من منطقة الى اخرى وبين فترة واخرى يشكل خطرا على اللغة وقد يؤدي بالتدريج لاندثارها لكن عبدالله يؤكد ان للعربية الفصحى مزايا تفتقدها باقي اللغات الاخرى لان تغيير جذري لم يطرا عليها برغم كل محاولات اضعافها بينما نجد ان عددا من اللغات الاخرى قد تغيرت بسبب التغيير الذي مرت به واصبحت مختلفة بشكل كبير عن ماضيها فلغة – شكسبير- الذي مات في القرن السابع عشر اصبحت صعبة ومعقدة بالنسبة للشعب الانكليزي الذي لا يستطيع فهمها من دون مساعدة المختصين
ويستطرد عبدالله قائلا: ان العربية استطاعت ان تؤثر بالعشرات من لغات العالم وخاصة في اسيا واوربا فاثرت بالاسبانية وكذلك بالفرنسية وفي الهندية يوجد حوالي (6500) كلمة عربية رائجة وجمعت العربية كل الاحرف الفارسية وفيها حروف لاتوجد في أي لغة في العالم وانما هي من خواص العربية فقط ومنها( ع, ظ , ض , ث , خ ,...الخ) وبالرغم من قساوة الهجمة عليها الا ان العربية لم تضعف ولم تستسلم امام أي من لغات العالم لان فيها من المرونة واللين مايكفيها للتكيف مع متطلبات العصر
ان اللغة باهلها تزدهر بازدهارهم وتنهض بنهوضهم تموت بموتهم وتنحط بانحطاطهم فاذا كان العرب اهل للحياة استحقت لغتهم الحياة وكذلك اذا انهزمت لغتهم انهزموا في كل الميادين الاخرى.. فلابد للعرب من يقظة حقيقية وعاجلة للحفاظ على لغتهم التي تمثل ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم لان الامر لم يعد فيه متسع للمزيد من الغفلة والرقاد